مركز الثقافة والمعارف القرآنية
626
علوم القرآن عند المفسرين
يقتل بعبد غيره « 1 » ، وذهب شواذ منهم إلى : أن الحر يقتل بالعبد وإن كان عبد نفسه « 2 » . والحق : أن الآية الأولى محكمة ولم يرد عليها ناسخ . والوجه في ذلك : أن الآية الثانية مطلقة من حيث العبد ، والحر ، والذكر ، والأنثى فلا صراحة لها في حكم العبد ، وحكم الأنثى . وعلى كل فإن لم تكن الآية في مقام البيان من حيث خصوصية القاتل والمقتول ، بل كانت في مقام بيان المساواة في مقدار الاعتداء فقط ، على ما هو مفاد قوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ « 3 » . كانت مهملة ولا ظهور لها في العموم لتكون ناسخة للآية الأولى . وإن كانت في مقام البيان من هذه الناحية - وكانت ظاهرة في الإطلاق وظاهرة في ثبوت الحكم في هذه الأمة أيضا ، ولم تكن للأخبار عن ثبوت ذلك في التوراة فقط - كانت الآية الأولى مقيدة لإطلاقها ، وقرينة على بيان المراد منها . فان المطلق لا يصلح لأن يكون ناسخا للمقيد وإن كان متأخرا عنه ، بل يكون المقيد قرينة على التصرف في ظهور المطلق على ما هو الحال في المقيد المتأخر . وعلى ذلك فلا موجب للقول بجواز قتل الحر بالعبد . وأما الرواية التي رووها عن علي عليه السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من قوله : « المسلمون تتكافأ دماؤهم » فهي - على تقدير تسليمها - مخصصة بالآية ، فان دلالة الرواية على جواز قتل الحر بالعبد إنما هي بالعموم . ومن البين أن حجية العام موقوفة على عدم ورود المخصص عليه المتقدم منه والمتأخر . وأما ما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بطريق الحسن عن سمرة فهو ضعيف السند ، وغير قابل للاعتماد عليه . قال أبو بكر ابن العربي : « ولقد بلغت الجهالة بأقوام أن قالوا : يقتل الحر بعبد نفسه » ورووا في ذلك حديثا عن الحسن عن سمرة قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من قتل عبده قتلناه » . وهذا حديث ضعيف « 4 » . أقول : هذا ، مضافا إلى أنها معارضة برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن رجلا قتل عبده متعمدا ، فجلده النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ونفاه سنة ، ومحا سهمه من المسلمين ، ولم يقده
--> ( 1 ) نفس المصدر ص 209 . وقال ابن كثير : قال البخاري وعلي بن المديني ، وإبراهيم النخعي ، والثوري في رواية عنه : ويقتل السيد بعبده . ( 2 ) احكام القرآن للجصاص ج 1 ص 137 . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 194 . ( 4 ) احكام القرآن لأبي بكر بن العربي ج 1 ص 27 .